للإصلاح كلمة تخاطب أهل الدنيا في شان حياتهم الثانية

كلمة الإصلاح ضاقت أخيرا اذرعا لكونها دائما تعطي لأهل الدنيا رأيها في شان حياتهم الأولى التي لا تزيد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن 60 أو 70 سنة وقل من يتجاوز ذلك من أمته أي المولودون وراء بعثته لأنه بعث للإنسانية آنذاك كلها وما تولد منها بعد ذلك من غير أن يلفت نظرها ما بعدها من ثقل الحياة الثانية ومآلاتهاK وكلمة الإصلاح هذه موجهة للمؤمنين فقط من هذه البشرية: أما غيرهم فقد أجابهم الله على فكرهم الإلحادي بقوله تعالى {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا} وبعد ذلك وجه لهم هذا السؤال {أفمن يلقي في النار خير امن يأتي آمنا يوم القيامة}، وأعقبه بهذا التهديد {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير}.



ومن هنا توجه كلمة الإصلاح هذه لمن لا يلحد لتعطيه رأينا في حياته الثانية بعد ما أعطيناه كثيرا من الآراء في حياته الأولى المنتهية بموت لا حارس دونه من الإلحاديين ويمكن ان يأتي في أي لحظة بلا استئذان لإنهاء هذه الحياة وما تعلق بها حتى تصبح كان لم يكن في الوجود ويبقي مع حسابه وجها لوجه.



وكل إنسان متفق معنا في هذا الإيمان نذكره بأننا بعد اتفاقنا في هذا الإيمان نتفق معه في كثير من النقاط الأخرى وذلك بالقرآن وبالمشاهدة الدائمة، وإذ احتجنا إلى البحث العلمي التجريبي فسوف يتأكد اتفاقنا هذا عن طريق العقل فيما خلق له كما قال تعالى {ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا تعقلون}، ومن أولى هذا الاتفاق أن هذه البشرية - بني آدم – أي كل إنسان سيحيا حياتين فقط لا ثالث لهما فميزتنا بإيماننا أننا نصدق القرآن بفحوى خطابه وهو يحدث عن أهل النار حيث يخاطبونه من داخل النار {ربنا امتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل}.



ومن جملة اتفاقنا أن هاتين الحياتين نتفق فيهم جميعا كبيرنا وصغيرنا غنينا وفقيرنا قوينا وضعيفنا ذكرنا وانثانا بأي لغة أو لون كنا، وهاتان الحياتان الأولى منهما سبق وأن ذكرنا تحديد مدتها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي نتفق أنه لا ينطق عن الهوى مع مشاهدتنا الصدق الدائم في الموضوع فنحن نشاهد أن من تجاوز السبعين يبدأ بأرذل العمر ويستمر ذلك الضعف في التدهور حتى تنكس الخلقة ويبقي أقرب إلى الرجوع إلى صورة سنه في المهد في الحضور في شؤون الدنيا من صورة شبابه الذي يستحيل رجوعه إليها ويمسح شريط ذاكرة حياته الذي كان مخزنا في دماغه {لكيلا يعلم من بعد علم شيئا إن الله عليم قدير} ومن مظاهر اتفاقنا أننا بعد انتهاء حياتنا الأولى المحدودة الزمن والمجهول تاريخ انتهائها مع بقاء حتمية هذا الانتهاء فهي معروفه لدينا جميعا بعد ذلك العمر المتدرج بين الضعف أولا والقوة ثانيا والضعف الأخير المؤذن بالنهاية - يقول تعالى {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} وهذه الصورة الكاشفة ليس فيها استثناء لا للأنبياء ولا الصالحين وأولي غيرهم من الظلمة الكفرة الفجرة الجميع هذه هي الطريقة الإجبارية المرور إن لم يمت قبل انتهاء هذه المرحلة المقدرة على آخر العمر فالله يقول - لئلا يطمئن أحد في الحياة الدائمة إلى آخر الأجل -: {ومنكم من يتوفى من قبل}.



هذه الحياة المحدودة نحن جميعا نرى بأم أعيننا الحركات والنظرات والأفكار والنشاطات المختلفة التي يقوم بها هذا الإنسان هنا وهناك كأن لم يكن وراءها تلك الحياة الثانية الخطيرة المجهولة لديه الآن، فغير المؤمنين يقول لسان حالهم {إن هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} وهنا يأت الرد السريع من الله في قوله تعالى {وما لهم بذلك من علم إن هم الا يظنون} ويقول في الظن إنه لا يغني من الحق شيئا، أما المؤمنين فعلى عدة أقسام: المقربون من الله وأصحاب اليمين وبعض أصحاب الشمال المعفو عنهم فيما بعد.



وهذا التقسيم حسب مشيئة الله في توجيههم في أعمالهم في الدنيا.



ومن هنا بالضبط تبدأ كلمة الإصلاح واصلة إلى موضوع حلقتها هذه التي تخاطب فيها المؤمنين في مناقشة حياتهم الثانية بعد أن كتبت كثيرا من الكلام في الحلقات الماضية في الحياة الأولى التي فيها الانتخابات والترشحات واختيار زيد على عمر والتصويت على برنامج الوزير الأول الجديد وأمل أهل الدنيا في حياتهم الأولى من الانتفاع من الحكم الجديد بعد أن امتلأ سجل الحاكم الأول وانسحب بما فيه انتظار بالقوة لما سيجري في الحياة الثانية بينه وبين الله من المحاسبة الدقيقة.



وما دمنا نستطيع أن نخاطب أمثالنا المؤمنين من البشرية في حياتنا الأولى التي نجتمع فيها نحن وإياهم فإننا نقول لهم أو ننبههم أنه إذا كانت هذه الحياة محدودة - 60 – 70 – سنة فإن تلك الحياة لا نهاية لها بل هي النهاية بمعنى أنها إلى الأبد الآبدين فبعد أن يذبح الموت أمام بني آدم يقال لهم يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت وعند ذلك تحدد صفتين يكون الإنسان في إحداهما ولا ثالث لهما. إما في جنة عرضها السماوات والأرض ومعروفة أوصافها الأخرى في القرآن وأنها أعدت لمن آمن بالله ولم يشرك به شيئا، وإما في نار لا يموت فيها – الانسان - ولا يحيي – وعلى المؤمن أن يتأمل مليا هذه العبارة لأنها من ألفاظ القرآن العاجز غيره عن التعبير بمثلها.



وعليه فاني أتوجه للمؤمنين لأضع لهم هذه القواعد الثابتة التي لا يغيرها شيء في الدنيا لحياتهم الثانية:

أولا: إن جميع الآيات القرآنية التي لا تختص بالرسول صلى الله عليه وسلم وأنزلت تخاطب أصحابه فتلك الآيات يستوي توجيهها للصحابة آنذاك ووزراء موريتانيا وبرلمانها الجديدين وبائعي سوق توجنين أو السوق الكبير أو ساكني إحدى ولايات موريتانيا إلى آخره، فجميع ألفاظ العموم في القرآن الكريم – من وما وكل وضمير الجماعة أو المفرد أو الحاضر أو الغائب فالله يعني بها الجميع وسيجد فحواها أمامه مثل: {من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا}، فمثلا إذا قال الله {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}.



فمتعلق القول الذي هو مفعول قل للإنسان إلى آخر المحرمات تنصرف إلى جميع ما يطلق عليه الإنسان، فكل من يصح منه الاستماع لألفاظ القرآن العمومية فهي موجهة إليه ولو تجاهلها عمدا أو جهلا، كما أن كلمة {كل نفس ذائقة الموت} نتيقن أن الجميع يستوي فيها فكذلك قوله تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها}.



القاعدة الثانية: إن كل كلمة تقتضي معنى ايجابيا أو سلبيا في الحياة الثانية إذا لم تكن واردة في القرآن أو الحديث الصحيح فهي من باب القول على الله ما لا يعلمه الإنسان فهي إذن من الفواحش، فقضية الآخرة وما سيقع فيها هو ما جاء في القرآن أو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيقع فيها، أما غير ذلك فكذب على الله لا يعول عليه مهما كان القائل.



القاعدة الثالثة: أن ابتداء الحياة الثانية هو من لحظة نزع الروح من أول البدن قبل أن تنتزع من آخره لان البشارة بالرحمة أو العذاب تبدأ من تلك اللحظة أي في الدنيا كما قال تعالي: {لهم البشرى في الحياة الدنيا..} فإن كان من المستقيمين في حياتهم بالإيمان الصحيح تتنزل عليهم الملائكة وهم ما زالوا في الدنيا {أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}، وإن كان من الظلمة الفجرة تقول لهم الملائكة في تلك اللحظة {أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون}.



بمعنى أن هذه الفسحة الحياتية التي نجول فيها نحن ونصول وكل واحد منا يعبر عن ما في قلبه ويتقدم به لإخراجه للمجتمع وكأنه يتحلى بصورة الدوام والبقاء إنما ذلك كلام مجوف لا طعم ولا ريح فيه للحقيقة إلا إذا استخرجها له من إيمان كإيمان إبراهيم عليه السلام عندما قال لقومه {أتحاجوني في الله وقد هديني ولا أخاف ما تشركون به}، ولذا قال الله إنه جاءه بقلب سليم.



القاعدة الرابعة: أن على كل مؤمن يريد السلامة في حياته الثانية أن لا يأتي باعتقاد يفتريه بين يديه وأرجله وعلى رأس هذا الافتراء أن يظن أن أي روح التي هي عبارة عن هذا الإنسان الذي إذا دخلته يتحرك وإذا خرجت منه يسكن نهائيا أن عندها أي علاقة في التصرف في هذ الانسان إلا رب العالمين الذي يأمر الملك بالذهاب بها عند ما يريد إدخالها في الجسم وهذا ما زال في بطن أمه ويأمره بإخراجها عند ما تنتهي مهمتها المقررة لها في الجسم فيتوفاها الملك الذي وكل بذلك وتعود إلى ربها مباشرة كما قال تعالى في كثير من آياته {ثم إلى ربكم ترجعون}.



وأخيرا هذه كلمة يمكن أن يعلق عليها البعض أنها وعظ وأن الوعظ مكانه المساجد لا المواقع وكتابة المقالات.. الخ.



وأنا أعلق على ذلك بأن من يرى بعينه أكبر خطر على نفسه موضوعا أمامه لا يحيد عنه في المرور به فتجاهله يعد من الحماقة أو تصرف فيه كما تتصرف النعامة البهيمة.



مع أن الله أرسل البلاغات الوعظية ولكنها ليست مجرد وعظ يفهم الناس أنه قد يقع وقد لا يقع فوعظ الله واقع لا محالة مثل وعده يقول تعالى {وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران}، {هذا بلاغ للناس}.



ويقول في آية أخرى: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله بها عباده يا عبادي فاتقون}.

بقلم الأستاذ / محمد بن البار
شارك المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي: