خرجة عزيز: بالون السياسة وقنبلة الفساد / أحمد محمد المصطفى

حضرت البارحة الخرجة الإعلامية التي نظمها الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز في منزله المشيد حديثا بمقاطعة لكصر، بعد أن ضاقت عنه بما رحبت وتعددت فنادق نواكشوط، وتقلص فضاء القنوات أمامه ليستقر على وقت قصير عبر فضاء قناة الساحل احتاج عدة ساعات من الانتظار والعمل الفني المتواصل قبل أن يجهز بتقطع.

أتاحت ساعات الانتظار في غرفة استقبال المنزل وفي باحته فرصة النقاش مع عدد من الإعلاميين المشاركين في المؤتمر الصحفي، حول الرسائل التي يتوقع أن أراد ولد عبد العزيز تمريرها، والبُرد التي ستشكل وجهتها الأولى.

كانت الخلاصات التي استقر عليها رأيي عقب النقاشات، وصدقتها وقائع المؤتمر الصحفي، أن لدى ولد عبد العزيز رسالتان يود أن يصلا البريد الشخصي للرئيس "الجديد" محمد ولد الغزواني، ومن خلاله لكبار مساعديه، خصوصا من من كانوا ضمن نظام ولد عبد العزيز، وتشكلت الرسالتان من بالون السياسة، وقنبلة الفساد.

المتابع للمؤتمر البارحة يدرك دون كبير جهد حجم التحفظ والاحتياط في حديث ولد عبد العزيز على غير عادته، وحرصه على تركيز رسالة المؤتمر في المجالين السابقين دون أن يكون لهما ثالث. فقد كان يجيب بكلمة أو كلمتين، وأحيانا بمحاولة تنكيت عن المواضيع التي لا تخدم هاتين الرسالتين، أو يتخوف أن تشوش عليهما.

1. بالون السياسة: حرص ولد عبد العزيز على محاولة حصر المشكل، أو ما سماه "الأزمة التي كان يمكن تفاديها" في الملف السياسي عموما، وفي حزب الاتحاد من أجل الجمهورية بشكل خاص.

لقد أراد إيصال عدة رسائل من خلال تركيزه على منح الأزمة طابعا سياسيا محضا:
- أولها: الظهور بمظهر الضحية المستضعف المضطهد المضايق، والذي تتدخل السلطات للضغط على الفنادق والقنوات حتى لا تترك له مجرد فرصة للتعبير عن رأيه بحرية. ولعل الهدف من هذه الرسالة تحديدا هو أن يشكل عنوان "الاستهداف السياسي" حماية له من الاستهداف بعناوين أخرى قد يكون المال أبرزها. ليس سهلا أن يقبل ولد عبد العزيز أن يقول: "لقد شعرت بالمضايقة".

- ثانيها: وهي رسالة موجهة للخارج أكثر من الداخل، إظهار خليفته بمظهر المستبد الدكتاتوري، فها هي الديمقراطية الموريتانية تضيق ذرعا بـ"صانعها"، ومحقق أول تناوب سلمي على الكرسي فيها، وتحرمه حتى من حق تنظيم مؤتمر صحفي، و"تعتدي" بطرق غير قانونية على حزبه السياسي، ولما يمض على مغادرته للسلطة غير أشهر قليلة.

وإذا كانت هذه هي معاملة النظام لمن أوصله للسلطة، فكيف ستكون معاملته لغيره. وكانت رسالة "الخوف على مستقبل الديمقراطية في البلاد" الأكثر صراحة في هذا السياق.

لكن هذه الرسالة، ستكون مشوشة بفعل مواقف ومواقع المعارضة التقليدية، وخصوصا "تسابقها" في مضمار الثناء على النظام الجديد، وإشادتها بـ"الانفتاح" و"النفس الجديد"، وغيرهما من المصطلحات "الدخيلة" على الحقل الدلالي للخطاب المعارض في البلاد.

- ثالثتها: التركيز على دور معاوني الرئيس دون تبرئته هو، والإيحاء بأنه ربما أضحى "رهينة" لدى أطراف جديدة تدفعه لتجاوز القوانين والدستور، وربما تقنعه بالوقوع في أخطاء أكثر خطورة.

لقد ذكر الوزير الأول، وكاد يذكر مدير الديوان.

ورغم تصريحه بأنه لا يريد الحديث عن علاقته الشخصية بـ"صديقه اللدود"، ونجاحه عدة مرات في تجنب الحديث عنها رغم الأسئلة المتكررة، وبأكثر من أسلوب، فإن "الحصافة" خانته، فوجه له اتهاما صريحا بالوقوف خلف الأزمة بمجملها، من خلال تحميلها مسؤولية ما وقع في الحزب، فقد تدخلت الدولة فيه بشكل واضح، ولا يمكن أن يتم ذلك دون أوامر منه.

- رابعها: رسالة انزعاج أوصلها المزاج العام قبل وأثناء المؤتمر، ومرارة لم يخفها التصنع من اختيار صديقه اللدود التعامل مع ملفه بـ"عقلية استخباراتية"، وحرمانه حتى من ندية المواجهة المكشوفة. لقد تجلت هذه المرارة في عدة مقاطع من المقابلة، أولها التعليق على "حادثة" الأمين العام للحزب، فمن الواضح أن الرجل استشعر أنه "اخترق" من عمق دائرة المقربين ورجال الثقة، أما الثانية فعند الحديث عن قضية الفنادق والقنوات، واعتذارها عن استضافة المؤتمر الصحفي، وكان الموقف الثالث عند الحديث عن "انجذاب" دائني الشيخ للتظاهر في الأماكن التي يوجد فيها. لقد هذب التعبير الذي خاطبهم به بشكل مباشر، وهو "اذهبوا إلى من أرسلكم...".

يعرف الرجل صديقه جيدا، وقد خبره لأربعة عقود من موقع المخالط.

- خامسها: توضيح لحدود المطلب، وكشف لمهمة "بالون السياسية"، فهو ليس أكثر من بناء قواعد علاقة من الموقع الجديد على أسس صلبة، ولعل ذلك هو هدف رسائل الطمأنة المتتالية في ثنايا المؤتمر، من خلال التأكيد على أنه لم يأت للتشويش، أحرى الانقلاب، ولا يسعى للعودة للسلطة "ولاهي باكيالو في الأخلاك"، ولا يريد رئاسة الحزب، ولن يترشح لها، ولن تكون له صفة غير صفة منتسب.
ولئن كان لهذه القاعدة من استثناء، فهي حديثه عن اللجوء "لطرق أخرى" لممارسة السياسة في حال خسارة معركة الحزب، إضافة لتحاشي نفي اتصاله على قائد كتيبة الأمن الرئاسي "بازب".



2. قنبلة الفساد: أما المحور الثاني للمؤتمر الصحفي، فهو التلويح في وجه الجميع بـ"قنبلة الفساد"، لقد حاول الرجل توصيل رسالة صريحة لنفس المجموعة السابقة، أي الرئيس محمد ولد الغزواني، وكبار المسؤولين، خصوصا من عملوا معه خلال العشرية، أنه لا يخاف تفجير قنبلة الفساد لأن الجميع سيتضرر من شظاياها، ولن يربح أحد.

استعاد ولد عبد العزيز في هذه النقطة تحديدا صراحة 2009 ليذكر بضعف البلد، وهشاشة استقراره، معتبرا أن فتح ملفات الفساد لن ينجو منه أحد. لقد رمى الكرة في مرمى ولد الغزواني أولا، وفي مرمى النواب ثانيا، وربما رفع رؤوسهم قليلا ليروا أن الخطر الذي يلوحون به في وجهه سيكون دماره شاملا.

وقد عاود التلويح بالورقة ذاتها في موضوع النواب، وبنفس الصراحة، حيث تحدث أنهم سيكونون أول المتضررين من فتح ملف صفقات الفساد.

وكان التهديد الأخير مبطنا، فقد اختار الحديث فيه عن الأحزاب، لكنه كان يقصد الأفراد، حيث أكد أن لكل واحد منهم ملف خاص به. إنه يعرض صفقة تبادل للصمت، ويهدد في الوقت ذاته بأنه لن يقبل أن يكون الخاسر وحده.

يعرف الرجل عقلية صديقه، وترويه، وإن شئت قلت تردده وارتباكه، ويعول على أن تؤدي هذه الرسائل دورها في أن تضمن له حماية متعددة الأبعاد، بل وربما تبقي له على بعض النفوذ في مقابل تحديد مربعات للتحرك.

لقد تبادل الرجلان من الرسائل ما يجعل كل منهما يدرك ما لدى الآخر من الأسلحة خشنة وناعمة، ويتصور المدى الذي يمكن أن يصله في حربه. وهما على يقين أن الدخول في مواجهة بلا ضوابط ولا مكابح يعني خسارتهما معا، وربما خسارة البلد معهما. وهو ما يجعل من الوارد أن يسعى غزواني – من خلال موقعه الحالي، ومسؤوليته، وطبيعة شخصيته - لتفادي هذا الصدام، والبحث عن حل بأقل الخسائر.

لن تعود علاقة الرجلين كما كانت، فالثقة - كالزجاج - إذا انصدعت لا تعود.
شارك المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي: