محمد عبد الله.. رحلة الخلود / محمد يسلم الغلاوي

في قرية نائية بعيدا عن ضوضاء المدينة وعدسات الإعلام عاشت شخصية علمية ثقافية سطرت حياتها بمداد الخلود وخلفت أثرا ماثلا وتاريخا حافلا بالبذل والعطاء في مختلف الجوانب..
عن الوالد(محمد عبد الله ولد الغلاوي) أتحدث ..
في عام 1984م أفتى عدد من العلماء بوجوب صلاة الجمعة على سكان القرية الناشئة في ذلك العهد “أغشوركيت” لتوفر شروط الجمعة فيها كالنصاب والتقري.
وحينها انصب تفكير رجال الحي على بناء مسجد جامع تأوي إليه أفئدة المصلين ويذكر فيه اسم الله بالغدو والآصال ولم يكن أمامهم من خيار سوى فتح باب التبرع والانتظار ..
لكن تلك الوسيلة سرعان ما باءت بالفشل وتعثرت على عتبة ظروف قاسية وقديما قال الشاعر:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ

وبعد محاولات كثيرة قرروا اتخاذ بديل مؤقت عن ذلك المشروع وبحثوا عن الرجل المناسب للإمامة فأشارت الإمامة بأصبعها إلى الوالد والإمام “محمد عبد الله”، حيث يصدق فيه:
“فلم تك تصلح إلا له
ولم يك يصلح إلا لها”.
فهو الرجل العالم والفتى البارع بقراءة القرءان وتلاوته بصوت شجي وحسن أداءٍ، خريج محظرة العلامة حمود ولد محمدا فقد قال فيه مقولة أبي موسى الأشعري لابن مسعود (لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم).
بعدما أوكلت إليه الإمامة تمثل الوالد بقول الشاعر:
إذا القوم قالوا مَن فتى خلت أنني
عُنيت فلم أكسل ولم أتبلد
فحمل مهمة بناء الجامع على عاتقه ولم ينظر إلى المثبطين وشرع في أسرع طريقة يمكن من خلالها بناء المسجد ولم يقبل أن يكون بناؤه كبناء بقية دور الحي آنذاك الذين لم يعرفوا في ذلك الزمان إلا بيوت “الطين”.
وبينما جماعة المسجد في حيرة من أمرها إذا بالإمام يحقق ما تحمل وينجز ما وعد حيث أتى بما يستلزمه بناء المسجد وتسقيفه بالإسمنت والحديد وهو شيء يبدو غريبا على أهل الحي في ذلك الوقت.
ولا غرابة أن يتفاجأ الجميع أشد المفاجئة من هذه الهمة الصادقة والعزم الذي لا ينكسر:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكريم المكارمُ

واصل الإمام خطته التي رسم لتنفيذ مهمته التي أراد غير آبهٍ بما يلاقي في سبيل الهدف من مشاق وعقبات متحملا جميع الصعاب التي وقفت له في بنيات الطريق حتى تم بناء المسجد الجامع على أحسن وجه وأكمله..
فألقت عصاها واستقر بها النوى
كما قر عيناً بالإياب المسافرُ

بعد بناء المسجد وتشييده لم يتركه تلعب به أيادي الضياع والإهمال بل سخر حياته ووقته لخدمته والدفاع عن حوزته فكان ينظر إليه نظرة الطبيب المصلح والراعي الذي يرعى الرعية حق رعايتها وقد سمعته عدة مرات يقول: (آن المسجد أهم عندي من منزلي).
أمَّ فيه الناس مدة تزيد على (40 سنة ) تحلى فيها بالأخلاق الرفيعة والسمت الحسن وكان يضع نصب عينيه قول الله تعلى: (فاعْفُ عنهم واصْفَح إنَّ اللهَ يُحِبُّ المحسنين) أسمع الناس القرءان بصوته الجميل كأنما يقرؤه غضا كما أنزل وهو العارف لأحكامه والمتقن لقراءته فقد كان الجميع يشهد له بخشوعه في الصلاة وترنم قراءته وتأثيرها في القلوب قال فيه العالم الشيباني محمد الفغ: “سعدو الا اللي تم محمد عبد الله كل يوم يقرؤ به في صلاة الصبح”
ومع إتقانه لأحكام القرءان وتجويده كان خبيرا بالفقه واللغة والأدب فكان يعاف اللحن في اللغة ويردد: (آن اطِّيح اعلي الحمه لين نسمع حد يلحن) أي “تصيبه الحمى إذا سمع من يلحن في كلامه” وكان يحل الاستشكالات العويصة بأدنى نظرة وتأمل ومن عرفه حق المعرفة لن يستغرب سعة اطلاعه في العلوم وتساويها عنده فقد سمعته عدة مرات يقول بأنه كان يحفظ من السماع أحيانا وحفظ القرءان في صغره وكان أقرانه يشهدون له بالفتوة والالتزام في نشأته وتكفيه شهادة الشيخ والعالم محمد يحي المنجى شيخ محظرة البلد الطيب أطال الله بقاءه حيث قال عنه: (محمد عبد الله لم تسبق عليه صبوة).
(إمام همام قائد الحي شيخه
ومن قد تحلت من نداه المرابع)
وقد أحسن الشاعر إذ يقول فيه:
(سلام على أعمال بر تزينه. تحف به من خلفه وأمامه
سلام على المحراب من بعد غدت. قواعده حيرى لفقد إمامه)
رحم الله الوالد محمد عبد الله وأسكنه فسيح جناته.
ولي عودة للحديث عن جوانب من حياته العلمية والثقافية _إن شاء الله.
شارك المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي: